أبي حيان التوحيدي
43
المقابسات
ومن تأمل كلام أبى حيان عرف أن هذا الكلام من ذلك المعدن خرج . ويدل عليه : ( 1 ) أنه أسنده إلى القاضي أبى حامد المروروذي . وهذه عادته في كتاب البصائر ، يسند إلى القاضي أبى حامد كل ما يريد أن يقوله هو من تلقاء نفسه ، إذا كان كارها لأن ينسب إليه وإنما ذكرناه نحن في هذا الكتاب لأنه ، وإن كان عندنا موضوعا منحولا ، فإنه صورة ما جرت عليه حال القوم ؛ فهم وإن لم ينطقوا به بلسان المقال ، فقد نطقوا به بلسان الحال . ومما يوضح لك أنه مصنوع : ( 2 ) أن المتكلمين على اختلاف مقالاتهم من : المعتزلة ، والشيعة ، والأشعرية ، وأصحاب الحديث ، وكل من صنف في علم الكلام والإمامة ، لم يذكر أحد منهم كلمة واحدة من هذه الحكاية ( 3 ) ولقد كان الرضى « 1 » رحمه اللّه ، يلتقط من كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، اللفظة الشاردة ، والكلمة المفردة ، الصادرة عنه ، عليه السلام ، في معرض التألم والتظلم ، فيحتج بها ، ويعتمد عليها ، نحو قوله « ما زلت مظلوما منذ قبض رسول اللّه حتى يوم الناس » هذا وقوله « لقد ظلمت عدد الحجر والمدر » وقوله « إن لنا حقا إن نعطه نأخذه ، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل وإن طال السرى » وقوله « فصبرت وفي الحلق شجا ، وفي العين قذى » وقوله « اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم ظلموني حقي ، وغصبونى إرثى » . وكان الرضى إذا ظفر بكلمة من هذه [ الكلمات ] فكأنما ظفر بملك الدنيا ، ويودعها كتبه وتصانيفه . فأين كان الرضى عن هذا الحديث !
--> ( 1 ) الرضى : هو أبو الحسن محمد الشريف الرضى نقيب الطالبيين ، وأشعر العلويين صاحب الديوان المشهور باسمه ، وكتاب نهج البلاغة الطائر بذكره . وذكروا أن له كتابا في معاني القرآن ، وكتابا في مجازات القرآن ولد ببغداد سنة 359 ه وتوفى بها سنة 404 ه أو سنة 406 ه .